أثار الحكم الصادر مؤخرًا عن المحكمة الدستورية العليا بشأن جداول المواد المخدرة جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والإعلامية المصرية، بعد أن قضت المحكمة بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 الخاص بتعديل جداول المخدرات الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960.
وتزامن صدور الحكم مع حالة من البلبلة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتقد البعض أن القرار قد يفتح الباب أمام الإفراج عن متهمين في قضايا المخدرات أو يخفف العقوبات المفروضة عليهم، وهو ما دفع خبراء قانونيين إلى توضيح حقيقة القرار وآثاره القانونية.
قال المحامي بالنقض والخبير القانوني أشرف ناجي إن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا لا يعني بأي حال من الأحوال إسقاط قانون مكافحة المخدرات أو إباحة تداولها، بل يتعلق فقط بتحديد الجهة المختصة قانونيًا بتعديل جداول المواد المخدرة.
وأوضح ناجي أن المحكمة قضت في 16 فبراير 2026 بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، معتبرة أن إصدار القرار من هذه الجهة يمثل تجاوزًا للاختصاص القانوني، إذ إن تعديل جداول المخدرات يجب أن يتم بقرار من وزير الصحة وفقًا للقانون.

وأضاف في تصريحات لـ MENA أن المحكمة أكدت في حيثيات الحكم أن القرارات الصادرة على هذا الأساس القانوني غير الصحيح تُعد كأن لم تكن منذ تاريخ صدورها، مع استمرار العمل بجداول المخدرات الأصلية الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 إلى حين تعديلها بأداة قانونية صحيحة.
وأشار ناجي إلى أن الحكم لا يسقط القانون الجنائي المتعلق بالمخدرات بالكامل، مؤكدًا أن المواد المخدرة التقليدية مثل الحشيش والهيروين والكوكايين ما زالت مدرجة ضمن جداول القانون الأصلي، وبالتالي لا تتأثر بالحكم.
لكنه أوضح أن بعض القضايا التي استند الاتهام فيها إلى مواد مخدرة تخليقية أُضيفت بقرار هيئة الدواء الملغى قد تشهد جدلًا قانونيًا، إذ يمكن لهيئة الدفاع الدفع بعدم قيام الجريمة لغياب النص القانوني الصحيح الذي يجرّم تلك المادة وقت الضبط.
وأضاف أن هذا الدفع قد يؤدي في حالات محددة إلى تبرئة بعض المتهمين أو إسقاط الاتهام إذا ثبت أن المادة المضبوطة كانت مدرجة فقط بموجب القرار الذي قضت المحكمة بعدم دستوريته.
وأوضح ناجي أن الحكم الدستوري يتمتع بحجية ملزمة لجميع سلطات الدولة منذ نشره في الجريدة الرسمية، مشيرًا إلى أن النيابة العامة أصدرت تعليمات لتنظيم التعامل مع القضايا المرتبطة بالمواد التي شملها القرار.
وبيّن أن تأثير الحكم قد يظهر في عدة حالات قانونية، من بينها القضايا التي ما زالت منظورة أمام المحاكم ولم يصدر فيها حكم نهائي، أو الأحكام التي لا تزال قابلة للطعن أمام محاكم الاستئناف أو النقض، كما قد تُقدَّم التماسات لإعادة النظر في بعض الأحكام النهائية إذا ثبت أن أساس الإدانة قام على نص قانوني صدر حكم بعدم دستوريته، وهو أمر يخضع لتقدير المحكمة المختصة.

من جانبها، قالت المحامية المتخصصة في الشأن الجنائي نهى الجندي إن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا لا يتعلق بخلل تشريعي، بل بخلاف حول الاختصاص بين الجهات المعنية بتنظيم جداول المخدرات.
وأوضحت في تصريحات لـ MENA أن الخلاف كان يدور حول ما إذا كانت هيئة الدواء المصرية أو وزارة الصحة والسكان هي الجهة المخولة بإدراج مواد جديدة ضمن جداول المخدرات.
وأضافت أن المحكمة حسمت الأمر بإقرار أن إدراج المواد المخدرة، بما فيها مواد مثل “الآيس” و”الشابو”، يجب أن يتم عبر الجهة المختصة قانونيًا، مؤكدة أن هذه المواد ما زالت مدرجة في الجداول وأن القانون المصري ما زال يجرّمها.
وأكدت الجندي أن ما أثير على مواقع التواصل الاجتماعي حول الإفراج الجماعي عن المتهمين غير دقيق، مشددة على أن الحكم يمثل مجرد تصحيح للإجراءات القانونية وليس تغييرًا في السياسة التشريعية تجاه المخدرات.
وترى الجندي أن المرحلة الحالية تتطلب إصدار قرارات قانونية واضحة من الجهات المختصة لإعادة إدراج أي مواد مخدرة وردت في القرار الملغى، وذلك لضمان عدم استغلال أي ثغرات قانونية قد تؤثر على سير القضايا.
وأضافت أن القوانين المصرية بالفعل تُعد من أكثر القوانين صرامة في مواجهة جرائم المخدرات، حيث تصل عقوبة الاتجار في بعض الحالات إلى الإعدام، بينما تتدرج العقوبات في حالات التعاطي أو الحيازة.
كما أكدت أن اختلاف الأحكام بين القضايا لا يرتبط بهوية المتهم أو شهرته، بل يعتمد على عناصر الدعوى، مثل قوة الأدلة وسلامة إجراءات الضبط والتفتيش والتكييف القانوني للجريمة.
بدوره، كشف الدكتور محمود الروبي، الخبير القانوني، أن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 33 لسنة 47 قضائية دستورية بجلسة 16 فبراير 2026، جاء استنادًا إلى سبب قانوني واضح يتمثل في تجاوز الجهة التي أصدرت القرار حدود اختصاصها التشريعي.
وأوضح أن المحكمة قضت بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، والذي تضمن تعديل جداول المواد المخدرة الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960.

وأضاف الروبي أن الأساس الدستوري للحكم يتمثل في أن القانون منح صراحة سلطة تعديل جداول المواد المخدرة لوزير الصحة والسكان، وفقًا للمادة (32) من قانون مكافحة المخدرات، بينما قام رئيس هيئة الدواء بممارسة هذه السلطة دون سند قانوني مباشر، وهو ما اعتبرته المحكمة افتئاتًا على التفويض التشريعي وتجاوزًا للاختصاص.
وأشار إلى أن المحكمة استندت في حيثياتها أيضًا إلى عدد من المبادئ الدستورية الأساسية، في مقدمتها مبدأ الشرعية الجنائية المنصوص عليه في المادة (95) من الدستور، والتي تقضي بأنه «لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون»، إلى جانب مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات المنصوص عليهما في المواد (5) و(94) و(101) من الدستور.
وأكد الروبي أن الحكم لا يعكس خللًا في فكرة تجريم المخدرات أو في السياسة الجنائية للدولة، بل يتعلق بخلل دستوري إجرائي في الأداة القانونية التي تم من خلالها تعديل الجداول، حيث إن الجهة التي أصدرت القرار لم تكن الجهة المخولة قانونًا بذلك.
وأوضح أن الحكم لا يمكن تفسيره على أنه بداية لتغيير في السياسة التشريعية تجاه المخدرات، إذ إن قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960 لا يزال قائمًا وساريًا بكامل نصوصه، كما أن الجداول الأصلية الملحقة به ما تزال نافذة.
وأضاف أن الحكم اقتصر على إلغاء الأداة التنظيمية غير المختصة التي عدّلت الجداول، دون المساس بنصوص التجريم أو العقوبات الواردة في القانون.
وأشار إلى أن الجدل الذي أثير حول الحكم يعود إلى أن بعض القضايا الجنائية التي استندت إلى التعديلات الملغاة قد يُعاد النظر فيها، لأن الحكم بعدم دستورية نص جنائي يترتب عليه أثر رجعي لصالح المتهم وفقًا للمادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى إعادة المحاكمة أو صدور أحكام بالبراءة.
وفيما يتعلق بالإجراءات المطلوبة لسد أي ثغرات قانونية، أوضح الروبي أن الحل التشريعي يتمثل في تصحيح الأداة القانونية المنظمة لتعديل جداول المواد المخدرة، مشيرًا إلى أن الدولة بدأت بالفعل في اتخاذ هذه الخطوة، حيث أصدر وزير الصحة القرار رقم 44 لسنة 2026 باستبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات تنفيذًا لحكم المحكمة الدستورية، باعتباره الجهة المختصة قانونًا بذلك.
وأضاف أن التشريع المطلوب مستقبلًا يتمثل في تدعيم الإطار القانوني المنظم لتعديل الجداول من خلال نصوص أكثر وضوحًا تحدد الجهة المختصة وآلية إضافة المواد المخدرة الجديدة، خاصة مع ظهور مركبات صناعية حديثة مثل الميثامفيتامين و”الشابو” التي أُضيفت إلى الجداول خلال السنوات الأخيرة.
واختتم الروبي حديثه مؤكدًا أن سد أي ثغرة قانونية في هذا الملف يتطلب ضبط مسألة الاختصاص التشريعي بدقة، بحيث يتم تعديل الجداول بقرار صادر عن الجهة المخولة قانونًا أو بتفويض تشريعي واضح، وهو ما يضمن استمرار تجريم هذه المواد دون التعرض لشبهة عدم الدستورية مرة أخرى.
في المقابل، أبدى عدد من المواطنين مخاوفهم من أن يؤدي الجدل حول الحكم إلى اعتقاد البعض بأن العقوبات قد خُففت.
وقال المواطن مينا أسامة إن الخبر الذي انتشر بين الناس أعطى انطباعًا بأن القوانين أصبحت أقل صرامة، وهو ما قد يدفع البعض للاعتقاد بإمكانية الإفلات من العقاب.
وأضاف أن الكثير من المواطنين يرون ضرورة تشديد العقوبات على تجارة المخدرات، معتبرين أن الردع القوي هو السبيل الوحيد للحد من انتشار هذه الظاهرة، مفيدًا بأن الأخبار المتداولة عن الحكم أثارت حالة من القلق لدى البعض، لأن كثيرين فهموا أن الحكم يعني تخفيف العقوبات أو إلغاءها، وهو ما قد يشجع بعض الأشخاص على تعاطي المخدرات أو الاتجار بها.
وتابع أن هناك انطباعًا لدى بعض المواطنين بأن العقوبات في بعض القضايا قد تكون غير رادعة بما يكفي، مطالبًا بضرورة تشديد العقوبات على المتورطين في تجارة المخدرات لما تمثله من خطر على المجتمع.
كما أشار إلى أن بعض المواطنين يعتقدون بوجود اختلاف في التعامل مع القضايا التي تشمل شخصيات معروفة مقارنة بغيرها، مؤكدًا أن تحقيق العدالة يقتضي تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.
من جهته، قال المواطن مصطفى حسين إن انتشار المواد المخدرة التخليقية مثل “الشابو” يمثل خطرًا كبيرًا على المجتمع، مؤكدًا أن المواجهة لا يجب أن تقتصر على ضبط المتعاطين فقط، بل يجب أن تمتد إلى شبكات التهريب والتجارة الكبرى.
وأوضح أن انتشار الأخبار المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون توضيح قانوني دقيق قد يسبب حالة من اللبس لدى الرأي العام.
وأضاف أن كثيرًا من المواطنين يحتاجون إلى شرح واضح لطبيعة الحكم وتأثيره الفعلي، مؤكدًا أن مواجهة ظاهرة المخدرات تتطلب تطبيق القانون بحزم إلى جانب تعزيز التوعية المجتمعية بمخاطر التعاطي والاتجار.
وفي المجمل، يرى خبراء قانونيون أن الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا يمثل خطوة مهمة لتأكيد مبدأ المشروعية وتحديد صلاحيات الجهات المختصة، دون أن يعني ذلك إلغاء تجريم المخدرات أو إسقاط القضايا المرتبطة بها.
ويؤكد المتخصصون أن الأثر الحقيقي للحكم سيقتصر على عدد محدود من القضايا المرتبطة بالمواد التي شملها القرار الملغى، بينما يظل قانون مكافحة المخدرات قائمًا بكل ما يتضمنه من عقوبات رادعة.
اقرأ أيضًا:
انتشار المخدرات والحوادث والجريمة.. ظواهر تهدد صعيد مصر
إدمان القمار الإلكتروني والجريمة
أزمة نقص الأدوية المستوردة في السوق المصري



