سياسة

من يفتت المعارضة المصرية؟.. كواليس الانقسامات التي أربكت المشهد السياسي

في مشهد يبدو مرتبكًا، بدأت ملامح التفكك تضرب صفوف المعارضة المصرية خلال العامين الأخيرين، بعد أن كانت الحركة المدنية الديمقراطية تمثل الكيان الأبرز الذي جمع طيفًا واسعًا من الأحزاب والشخصيات العامة على أرضية واحدة. لكن ما بدا لاحقًا هو أن هذا الكيان لم يصمد أمام موجات التباين في المواقف والرؤى، التي انتهت بانسحاب بعض الأحزاب من التحالف أو تجميد عضويتها، ليطرح المشهد أسئلة حول ما إذا كانت هذه التحركات طبيعية في سياق سياسي ضيّق المساحة، أم أنها نتيجة هندسة خفية أُريد لها أن تربك المعارضة وتفقدها قدرتها على التماسك.

 

أحد أبرز مؤشرات هذا التآكل تمثل في خطوة حزبي العدل والمصري الديمقراطي الاجتماعي بتجميد عضويتهما في الحركة المدنية، رغم أنهما كانا من أبرز الداعمين لفكرتها عند التأسيس. المثير أن الحزبين اختارا في المقابل الدخول في تحالفات انتخابية مع أحزاب محسوبة على السلطة، ضمن القوائم الموحدة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وهو ما منح بعض قياداتهما مقاعد داخل البرلمان، بينما كان باقي مكونات الحركة المدنية يرفضون مبدأ المشاركة في تلك القوائم من الأساس.

 

هذه المفارقة فتحت الباب أمام تساؤلات حول طبيعة تلك التحالفات، وهل كانت مجرد اجتهادات سياسية أم مؤشرًا على تحول في البوصلة، جعل أحزابًا وُصفت يومًا بأنها “معارضة” تُقدَّم اليوم باعتبارها جزءًا من معادلة التوازن داخل السلطة نفسها.

 

النتيجة كانت شرخًا عميقًا داخل صفوف الحركة، سرعان ما تطور إلى انقسامات حادة في الخطاب والرؤية. البعض رأى أن الخلافات طبيعية في أي كيان سياسي واسع، بينما تحدث آخرون أن طريقة إدارتها بدت وكأنها مدفوعة باتجاه تفتيت الصف أكثر من إصلاحه. فبدلًا من أن تتوحد المعارضة حول قضايا الحريات العامة أو الإصلاح الاقتصادي والسياسي، تحولت النقاشات إلى جدل داخلي حول من يملك حق التحدث باسم الحركة، ومن يُستبعد، ومن يقترب من دوائر السلطة، ما جعل الحركة تخسر زخمها الشعبي والسياسي في لحظة كانت البلاد تحتاج فيها إلى صوت معارض متماسك.

 

شكل الانقسامات

 

ومع مرور الوقت، أخذت الانقسامات شكلًا أعمق، ظهرت أحزاب وشخصيات تُحسب على الحركة المدنية ظاهريًا، لكنها في العمق لم تكن على الخط نفسه، سواء من حيث الموقف من المشاركة السياسية أو من العلاقة مع مؤسسات الدولة.

 

بعض الاجتماعات التي كان يُفترض أن تضع أجندة مشتركة، تحولت إلى ساحات لاتهامات متبادلة، واتهامات باختراقات ناعمة و”تربيطات” داخلية يُقال إنها هدفت إلى شلّ قدرة الحركة على اتخاذ موقف موحد.

 

ومع أن هذه الاتهامات لم تُعلن، إلا أن طريقة إدارة بعض الملفات والانسحابات المتتالية بدت كأنها نتيجة خطة تفكيك بطيئة أكثر منها مجرد خلاف في وجهات النظر. ومن هنا انطلقنا للبحث والتواصل مع مصادر أكدت تفتت المعارضة وتربيطات استهدفت عدم توحيدها، لظهور معارضة شكلية متوازنة متحدة مع أحزاب السلطة.

 

اليوم، تبدو المعارضة المصرية في لحظة حرجة؛ فبين أحزاب فقدت بوصلتها وتماهت مع خيارات السلطة، وأخرى لا تزال تحاول التمسك بموقفها رغم العزلة، تظل النتيجة واحدة: تراجع الصوت المعارض المنظم، وتحول المشهد السياسي إلى ساحة تفتقر إلى التوازن المطلوب في أي نظام ديمقراطي. أما السؤال الأهم الذي يتردد، فهو ما إذا كانت هذه الانقسامات وليدة الإرهاق السياسي الطبيعي، أم أنها نتاج هندسة مدروسة لاختراق الداخل وتمزيق الصفوف من دون أن يلحظ أحد، كما أكدت المصادر في حديثها مع منصة “MENA”.

 

 

هل ما تشهده الساحة السياسية عفويًا؟

 

مصدر بارز داخل أحد الكيانات المعارضة أكد في تصريحات خاصة أن ما تشهده الساحة السياسية لا يبدو عفويًا، بل يعكس “محاولات ممنهجة لمنع أي توحد حقيقي بين قوى المعارضة المدنية”، على حد تعبيره. وقال إن التجربة الأخيرة في الإعداد للانتخابات البرلمانية كشفت عن سلسلة من العراقيل المقصودة، موضحًا أن تيار الأمل – الذي كان وقتها لا يزال تحت التأسيس – كان من أوائل الكيانات التي أعلنت خوض الانتخابات على المقاعد الفردية، وسعى للتنسيق مع جميع الأحزاب المدنية لتشكيل تحالف انتخابي يعبر عن المعارضة الحقيقية ويقدم مشروعًا واضحًا للشعب، “لكننا اصطدمنا بانسحابات متكررة وحواجز مفاجئة وحتى محاولات لمنع بعض المرشحين من الترشح، وهو ما لا يمكن تفسيره إلا كمخطط لتفتيت أي جبهة مدنية فاعلة”.

 

وأضاف المصدر أن الاختراق ليس حكرًا على صفوف المعارضة، بل يمكن أن يمتد – بحسب تعبيره – إلى بعض المؤسسات الرسمية أو الأحزاب الموالية للسلطة نفسها، مستشهدًا بقضايا الفساد التي تُثار بين حين وآخر ضد مسؤولين في أحزاب كبيرة.

 

“هذا يؤكد أن وجود عناصر غير وطنية أو مصالح متشابكة أمر حقيقي حتى في أعلى المستويات”، يقول المصدر، مشيرًا إلى أن مثل هذه الظواهر تظهر كيف يمكن تفريغ أي كيان سياسي من الداخل عبر أدوات تبدو نظامية من الخارج.

 

وشدد على أن القراءة الدقيقة للمشهد لا تحتاج إلى مؤشرات صريحة، “فالتصرفات تكشف وحدها عن التوجهات”، على حد قوله، معتبرًا أن وعي المواطن المصري أصبح كاشفًا لأي محاولات تستهدف إضعاف المعارضة أو إلهاء الرأي العام، واستشهد بما وصفه بـ”أكبر دليل على وعي الشعب”، في إشارة إلى ضعف الإقبال على انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة، معتبرًا أن ذلك رسالة واضحة من الشارع بأنه يرفض المشاركة الشكلية عندما يشعر أنه مستبعد من القرار.

 

وختم المصدر تصريحاته بالتأكيد على أن الشعب بات يميز بين الخلافات الحقيقية التي تعبر عن تنوع سياسي صحي، وبين تلك التي تُفتعل عمدًا لتفتيت الكيانات المدنية، مضيفًا أن “الحق الأصيل في الاختيار سيبقى دائمًا بيد الشعب المصري، مهما كانت محاولات الإقصاء أو الاختراق”.

 

حدة السجال

 

وجاءت الخلافات الأخيرة التي شهدها أحد البرامج الحوارية، وهو البرنامج الذي يقدمه عمرو أديب، بعدما استضاف مجدي الجلاد “ممثلًا عن المعارضة أو الصوت المعتدل” في مقابل مصطفى بكري، لتكشف ملامح الانقسام بوضوح أمام الرأي العام. ففي مناظرة جمعت الجلاد، الذي اتخذ موقفًا نقديًا من الأداء السياسي الحالي، والنائب مصطفى بكري، أحد أبرز المدافعين عن السلطة، على شاشة برنامج “الحكاية” الذي يقدمه عمرو أديب، تحوّل النقاش حول واقع البرلمان والأحزاب إلى سجال حاد يعكس طبيعة الاستقطاب داخل المجال العام نفسه.

 

الجلاد تحدث بوضوح عن غياب التعددية الحقيقية داخل البرلمان، معتبرًا أن “المعارضة تُدار من الخارج أكثر مما تتحرك من الداخل”، في إشارة إلى أن بعض القوى التي تُقدَّم إعلاميًا باعتبارها معارضة ليست سوى امتداد للمشهد الرسمي. رد بكري بعصبية، مؤكدًا أن “البرلمان أدى دوره الوطني ولا داعي للغة الإحباط”، ما دفع الجلاد للتمسك بموقفه قائلًا إن “النظام الحزبي فقد روحه السياسية، وأصبح خاضعًا لمنظومة السيطرة”. تلك المواجهة لم تكن مجرد مشادة إعلامية، بل انعكاسًا لصراع أعمق بين خطاب يحاول الحفاظ على وهم التنوع السياسي، وآخر يسعى لفضح آليات التفريغ الممنهج للمعارضة.

 

 

استبعاد الأصوات الحقيقية

 

أيضًا، واحدة من أبرز المواقف التي يشير إليها المصدر في مواقف تفتيت المعارضة، برزت في قضية استبعاد النائب السابق هيثم أبو العز الحريري من كشوف المرشحين لانتخابات مجلس النواب الأخيرة، بعد قرار الهيئة الوطنية للانتخابات استبعاده بدعوى “الاستثناء من الخدمة العسكرية”.

 

الحريري قال إن القرار جاء مفاجئًا تمامًا، موضحًا: “نفس الأوراق التي قدمناها مرتين سابقتين هي التي قدمناها المرة دي، ومع ذلك تم استدعاؤنا بشكل مفاجئ”.

 

وأضاف: “هذا الأمر لا أرتضيه، ولا يصح أن يُلصق بي أو يُساويني بالمتهربين أو المتخلفين عن أداء الخدمة العسكرية”، وأكد أن القرار يفتقر إلى السند القانوني ويحرم المرشحين والأحزاب من حقهم في الترشح، مشيرًا إلى أن ما يحدث يمثل شكلًا من أشكال التضييق على القوى المدنية ومحاولة لإفراغ المشهد السياسي من أي منافسة حقيقية.

 

وترى دوائر سياسية أن حالة الحريري ليست معزولة، بل تأتي ضمن نمط متكرر لاستبعاد الأصوات المستقلة والمواقف المعارضة من المشهد العام، بما يعمّق فكرة “تفريغ المعارضة من الداخل” التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة من تكتيك سياسي إلى واقع ملموس ينعكس على قوائم المرشحين وخريطة الأحزاب المدنية.

اقرأ أيضًا:

 

هل المعارضة المصرية تُدار من القصر؟

 

قوائم مشتركة أم منافسة منفردة؟.. حسابات معقدة قبل انتخابات البرلمان

 

جدل “الانتخابات النيابية”.. ديمقراطية مغلقة بالقانون

 

الإيجار القديم.. عندما لا يجد الفقير حوائط تستره

 

مقالات ذات صلة