تحاول السلطة التنفيذية في مصر أن تُظهر للعالم وجود معارضة سياسية من داخل النظام نفسه، معارضة مصطنعة لا حقيقية، فعندما يخرج وزير العدل ليعلن رفضه لمقترح رئيس الجمهورية بشأن تعديل أحد القوانين، أو عندما يبدو وكأن هناك صراعًا بين مؤسسات الدولة، فإن الهدف من ذلك هو خلق انطباع بوجود حيوية سياسية.
وعندما يظهر الرئيس في لقاء مع الصحفيين والإعلاميين مؤكدًا أهمية الاستماع إلى جميع الآراء، ثم تتخذ الأجهزة المختصة في اليوم التالي إجراءات قانونية بحق بعض الصحفيين على خلفيات مختلفة، يرى بعض المراقبين أن هذه الممارسات تُبرز حاجة الدولة إلى مزيد من التنسيق بين الخطاب السياسي والتطبيق العملي لضمان اتساق الصورة أمام الداخل والخارج.
قال المحامي الأستاذ ياسر سعد إن رئيس الجمهورية السيد عبد الفتاح السيسي كان في وضع كبير جدًا خلال الحرب، نتيجة عجز الدولة عن الوفاء بتعهداتها في خطة التهجير بسبب الضغوط الخارجية والداخلية.
وأضاف أن النظام كان أمامه أكثر من طريق لتخفيف حالة الضغط الشعبي، فاختار أن يقدم بعض التنازلات للحركة الاجتماعية، وكانت أول ورقة يلعب بها دائمًا هي ورقة المعتقلين، أما الثانية فهي تعديل قانون الإجراءات الجنائية، وكالعادة، استقبلت المعارضة والمجتمع المدني الموضوع بشكل سيئ جدًا، وأهدروا فرصة تاريخية.

وأشار إلى أن نقابة المحامين، التي تُعد جزءًا من المجتمع المدني، وافقت على القانون بالكامل على لسان نقيبها عبد الرحيم علام، بل أشاد بالقانون واعتبره نقلة طبيعية في التشريع، رغم أن ذلك غير قانوني وغير دستوري، ولا يمت للقواعد القانونية العامة أو لمهنة المحاماة بصلة.
وأضاف المحامي ياسر سعد أن الأزمة الأكبر كانت في نقابة الصحفيين، حيث كانت النقابة قد أبدت من 25 إلى 30 اعتراضًا على القانون، لأن القانون في مجمله سيئ للغاية على كل المستويات.
وأوضح أن القانون يهدر حقوق الدفاع وحقوق الصحفيين في الاطلاع على القضايا والمحاكمات وتصوير الوقائع، مؤكدًا أن ما يحدث هو إقصاء لفئة الصحفيين من منظومة العدالة، وهو ما يُعد اعتداءً دستوريًا على حقوق المواطنين الذين لهم الحق في التعبير والدفاع عن أنفسهم، ولهُم صحفي يتحدث باسمهم، معتبرًا أن هذا القانون يمثل إهدارًا لدور المؤسسات داخل المجتمع المصري وشرعنة للإجراءات الاستثنائية.
وأشار إلى أنه رغم أن تلك الإجراءات كانت تُعد مؤقتة واستثنائية، إلا أن القانون الجديد جعلها دائمة ومبررة دستوريًا، بينما هي في الحقيقة لا تتوافق لا مع الدستور ولا مع التشريعات ولا مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
وأضاف سعد أن نقابة الصحفيين تنازلت عن معظم اعتراضاتها، واكتفت بإصدار بيان اعتراضي على مادة واحدة فقط، أعلنت فيه تضامنها مع نقابة المحامين في مطلبها بتعديل المادة 105.
وقال إن هذا التصرف يمثل خسارة جديدة، فـنقابة المحامين بما تملكه من سلطات ومهام دستورية وقانونية كان واجبًا عليها الدفاع عن حقوق المواطنين، وليس اختزال الأزمة في مادة واحدة فقط.
وأكد أن التاريخ سيسجل أن النقابات أهدرت فرصة حقيقية لتحقيق مكسب للشعب، خصوصًا أن النظام في حالة ضعف شديد حاليًا، وكان بحاجة إلى دعم شعبي وسياسي، وهو ما كان يمكن استغلاله للضغط لإلغاء القانون بالكامل، لكن ذلك لم يحدث.
وتابع سعد أن البيان الصادر عن نقابة المحامين لا يمثل كل المحامين ولا اللجان الفرعية، مؤكدًا:
“نحن نطالب برفض القانون برمته، لا نريد تعديلًا عليه.”

أما عن الأزمة بين وزير العدل والرئيس السيسي، فقال إنها ظهرت بشكل غير مناسب، وأوضح أنه من المفترض عندما يُعاد القانون من السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية أن يكون ذلك بعد مشاورات رسمية بين الوزراء، لكن المشهد أظهر أن هناك جهة ما أشارت على الرئيس بهذا القرار، فكان المشهد سرياليًا يعكس وجود صراع سياسي داخل مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أنه في اليوم التالي ظهر وزير العدل وتراجع عن تصريحاته، ما كشف بوضوح أن هناك صراعًا بين الأجهزة، وأضاف أن الوزير لم يكن معترضًا على انتهاك الحقوق أو المساس بالحريات، بل كانت مشكلته الأساسية تتعلق بالأموال التي ستُصرف على الإجراءات الجديدة، قائلًا إن حديث الوزير كان اقتصاديًا بحتًا وليس قانونيًا أو حقوقيًا.
قالت الأستاذة إيمان عوف، الصحفية وعضو مجلس نقابة الصحفيين، إن موضوع الزميلة صفاء به تفاصيل كثيرة، وللأسف الشديد تعاملت النقابة معه منذ اللحظة الأولى على أنها خرجت حديثًا من فترة سجن طويلة، وتعاني من مشاكل نفسية وصحية.
وأضافت: “كنا نأمل أن تُنظر حالتها من هذا الجانب، لأن هناك تفاصيل كثيرة يصعب الحديث عنها الآن.”
وأضافت عوف أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أعلن أن هناك توجهًا لإطلاق حوار حول تطوير الإعلام، وكان من الطبيعي أن تكون الأجهزة التنفيذية صادقة وجادة في تطوير المحتوى الإعلامي، وأن تبدأ أولًا بتبييض السجون من الصحفيين.

وتابعت: “لدينا مجموعة من الزملاء تجاوزوا فترات الحبس الاحتياطي، وآخرون أُحيلوا إلى المحاكمة وما زالوا قيد المحاكمات. وكان أول مطالب مجلس النقابة هو العمل على تبييض السجون وفتح صفحة جديدة في ملف القبض والاعتقال، خاصة وأن توجيهات رئيس الجمهورية تدعو إلى سماع الرأي والرأي الآخر، وإتاحة صوت المخالفين، ويجب أن يُترجم ذلك إلى أفعال على أرض الواقع.”
وأوضحت أن هناك زملاء تجاوزت مدة حبسهم الاحتياطي أربع وخمس سنوات، ويمكن الإفراج عنهم بضمان النقابة، مؤكدة أن النقابة مستعدة للتعهد بإحضارهم عند طلبهم للتحقيق أو المحاكمة. كما طالبت بشمول العفو الرئاسي للزميلين كريم شاعر وحسين كريم، خاصة وأن هناك قضايا مشابهة خرج أصحابها بالعفو الرئاسي.
وأكدت عوف ضرورة ترجمة كلام الرئيس إلى أفعال واقعية بالإفراج عن الصحفيين، وعودتهم إلى النقابة، وبدء حوار جاد حول ضوابط النشر وحرية الصحافة بشكل عام.
واختتمت بقولها: “يبدو أن توجهات الرئيس تسير في اتجاه، بينما تسير توجهات الدولة في اتجاه آخر، وقد ظهر ذلك بوضوح في أزمة وزير النقل مع موقع فيتو، حيث تبع الأزمة خلال أيام قليلة بلاغ من جهة تنفيذية ضد صحفي تم حبسه وإحالته، وكأنه مواطن عادي وليس صحفيًا. وهذا يوضح بجلاء أننا نعاني من غياب تطبيق الالتزام الدستوري بتداول المعلومات، الذي لم يُطرح حتى الآن للنقاش ضمن منظومة العمل الصحفي والإعلامي.”
قال أحمد الطنطاوي، رئيس حزب تيار الأمل: “يجب التمييز بين من يعلن استعداده للاستماع بصدق النية، وبين من يكتفي بالشعارات. فالصادق في استماعه هو من يتجاوز الأذن ليصل إلى العقول. وإذا وجد فيما سمع وجاهة أو رغبة حقيقية في الإصلاح، فعليه أن يتعامل مع ذلك بشكل إيجابي، ويضعه موضع التنفيذ.
أما من يتحدث عن الانفتاح على الرأي الآخر في المناسبات فقط، ثم بعد انتهائها يعود إلى نفس النهج القديم، فإنه يزرع خيبة أمل جديدة.”
وأضاف الطنطاوي: “عندما دعا رئيس الجمهورية إلى مؤتمر اقتصادي، حضرته مجموعة من خيرة العقول المصرية، فوجئنا في الجلسة الختامية بكلمة من الرئيس قال فيها كلامًا يمكن لأي طالب في الصف الأول بكلية الاقتصاد أن يقوله، هذا لا يصح أن يقال لخبراء اقتصاد أنت من قمت بدعوتهم، كان اللقاء أقرب للدعاية منه إلى النقاش الحقيقي، وكرر نفس الأسلوب في أكثر من مناسبة.”
وقال الطنطاوي، رئيس حزب تيار الأمل: “السلطة في مصر لا تغيّر أسلوبها، سواء في التعامل مع الصحفيين أو السياسيين، رغم أن العمل المعارض أو الصحفي هو في الأصل جزء من النظام السياسي للدولة بمعناها الحقيقي والواسع.”
وأضاف الطنطاوي: “رئيس الجمهورية استخدم حقه الدستوري في إعادة مشروع قانون إلى مجلس النواب دون التصديق عليه، وهذه المرة هي الثانية فقط التي يفعل فيها ذلك. أمام البرلمان الآن خياران:
إما أن يعيد التصويت على القانون، وإذا حصل على أغلبية الثلثين يصبح القانون نافذًا دون انتظار تصديق الرئيس، أو أن يتعامل بجدية مع الملاحظات التي أبداها الرئيس ويُجري التعديلات المطلوبة، رغم رغبة البعض في الحصول على موافقته ونشر القانون في الجريدة الرسمية بأي شكل.”

وأكد الطنطاوي أنه لا يوجد أي صراع داخل مؤسسات الدولة، موضحًا:
“من يروّج لهذه الفكرة، حتى لو بحسن نية، يفتح بابًا لإعفاء رئيس الجمهورية من المسؤولية. فالجميع في مصر، القاصي والداني، يعلم أن الرئيس قادر على فرض إرادته دون حاجة لأي صراع، وأن مجرد تعبيره عن رغبته كافٍ لجعل مؤسسات الدولة، بما فيها السلطة التشريعية، تسير في نفس الاتجاه. المشكلة أن البعض يحاول أن يكون ملكيًا أكثر من الملك.”
وقال أيضًا: “ما يحدث الآن هو نوع من أنواع المزايدة في محاولة إرضاء الرئيس، وهذا أمر طبيعي في النظم السلطوية، حيث يسعى البعض للتقرب من رأي الرئيس أكثر من سعيه لإرضاء الشعب الذي يُفترض أنه يعمل في خدمته، دون أن يدرك أنه بذلك يسيء إليه.
لا يوجد أي تنافر داخل الدولة، فالواضح أن مؤسساتها موحدة خلف الرئيس والسلطة التنفيذية.”
وأضاف الطنطاوي: “الدستور ينص على أنه لا يجوز تعيين وزير أو إقالته إلا بموافقة البرلمان، ومع ذلك عندما يقدم الرئيس مقترحًا، فإن البرلمان يوافق عليه تلقائيًا، وكأنها حكومة أغلبية تابعة لتحالف أحزاب السلطة، بينما أحزاب المعارضة التي تصف نفسها بهذا الوصف لا تمارس دورها الحقيقي.
وفي الواقع، إذا اتصل الرئيس بأي وزير وأبلغه بعدم رغبته في استمراره، فسيتقدم الوزير باستقالته فورًا دون أي خلاف أو تناقض. لذلك لا يمكن اعتبار ما يحدث تناقضًا، بل هو تعبير عن طبيعة العلاقة القائمة داخل منظومة الحكم.”
اقرأ أيضًا:
مرشحي انتخابات الصحفيين لـ”MENA”.. البلشي: الأكثر تواصلاً مع النظام.. وعبد الحفيظ: طفرة في التدريب
محمد أبو الديار لـ”MENA”: قررنا خوض انتخابات البرلمان رغم منع تأسيس “تيار الأمل”
جدل “الانتخابات النيابية”.. ديمقراطية مغلقة بالقانون
أين “التيار المدني” من الشارع المصري؟ | تحقيق



